مقالات رأي

التكتل اللاوطني… عندما تُستثنى تهامة من الوطن

  • تجاهل القضية التهامية يعيد إنتاج سياسات الإقصاء ويقوض أسس الشراكة الوطنية المنشودة.
  • لا شراكة وطنية حقيقية دون تمثيل عادل لتهامة.
  • الإقصاء لا يصنع وطنًا، والعدالة وحدها تصنع الاستقرار.
  • تهامة ليست هامشًا في الجغرافيا السياسية لليمن، بل ركنًا أصيلًا من أركان الدولة والمجتمع.
  • أي مشروع وطني لا يعترف بتهامة شريكًا كامل الحقوق يظل مشروعًا ناقصًا وعاجزًا عن تحقيق الاستقرار.

بقلم: اللواء الركن خالد عبدالله خليل
رئيس المكتب السياسي للحراك التهامي

في الوقت الذي ينتظر فيه اليمنيون مشاريع سياسية جامعة تعترف بجميع المكونات الوطنية دون استثناء، جاء البيان الصادر عن “التكتل الوطني” بتاريخ 22 يونيو 2026 ليعيد إلى الأذهان ذات العقلية السياسية التي حكمت اليمن لعقود طويلة، والقائمة على الإقصاء والتهميش واحتكار التمثيل السياسي، متجاهلة قضية تهامة وأبناءها وكأنهم خارج المعادلة الوطنية.

لقد عانت تهامة، عبر عقود طويلة، من التهميش السياسي والاقتصادي والإداري، وحُرم أبناؤها من حقهم الطبيعي في المشاركة العادلة في مؤسسات الدولة ومراكز القرار. ورغم ما قدمته تهامة من تضحيات جسام في مختلف المراحل الوطنية، وما سطره أبناؤها من بطولات في مواجهة الانقلاب الحوثي والدفاع عن الأرض والهوية والكرامة، إلا أن هذه التضحيات لم تنعكس في صورة شراكة سياسية حقيقية أو تمثيل منصف لأبناء الإقليم.

ولم تكن مطالب أبناء تهامة يومًا مطالب انفصال أو قطيعة مع محيطهم الوطني، بل كانت مطالب عادلة تدعو إلى الاعتراف بتهامة شريكًا سياسيًا كامل الحقوق والواجبات. وقد رفع أبناء تهامة مئات المذكرات والمطالبات، ونظموا الفعاليات الجماهيرية والوقفات الاحتجاجية، وطالبوا مرارًا بإنهاء حالة الإقصاء والتهميش المزمنة وإشراكهم في صناعة القرار الوطني، إلا أن تلك المطالب قوبلت بالتجاهل المستمر.

ومع كل المطالبات والمذكرات والمراسلات الرسمية، ومع ما شهدته الساحات التهامية من فعاليات ومظاهرات جماهيرية واسعة طالبت بإنصاف تهامة وإشراكها كشريك سياسي حقيقي في مستقبل اليمن، إلا أن الحكومة الشرعية ما زالت تمارس سياسة الإقصاء والتهميش بحق أبناء تهامة، وتعجز عن إنصافهم كشركاء سياسيين متساوين، الأمر الذي أدى إلى استمرار حرمانهم من حقهم المشروع في التمثيل السياسي العادل والمشاركة في صناعة القرار.

وما يزيد من حالة الاحتقان أن الدولة العميقة الامامية الزيدية المتنفذة داخل مؤسسات الشرعية ما زالت تمارس سياسات الإقصاء ذاتها، وتعيد إنتاج منظومة الهيمنة السياسية التي أوصلت البلاد إلى أزماتها المتلاحقة. فبدلًا من تصحيح الاختلالات التاريخية وجبر الضرر لأبناء تهامة بموجب نتائج مؤتمر الحوار الوطني لعام 2013م ، ما زالت تهامة تُستبعد من أغلب الترتيبات السياسية، وكأن أبناءها غير معنيين بمستقبل اليمن أو غير مؤهلين للمشاركة في تقرير مصيره.

إن أي تكتل يدّعي تمثيل الوطن وهو يتجاهل تهامة، أرضًا وإنسانًا وقضيةً، لا يمكن أن يكون تكتلًا وطنيًا جامعًا، بل يصبح تكتلًا يعبر عن مصالح قوى سياسية محددة ما زالت تنظر إلى تهامة باعتبارها هامشًا جغرافيًا وبشريًا لا شريكًا أساسيًا في صناعة مستقبل البلاد.

إن استمرار هذا النهج يمثل خطرًا حقيقيًا على أي مشروع وطني جامع، لأن الشراكة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالاعتراف المتبادل والعدالة السياسية والمشاركة الفعلية. كما أن تجاهل مطالب شعب بأكمله لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين المكونات الوطنية وإضعاف الثقة في أي مبادرات أو تكتلات تدّعي تمثيل الجميع.

إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة ولا بعدد التكتلات المُعلنة، وإنما بمدى القدرة على استيعاب جميع المكونات الوطنية والاعتراف بحقوقها واحترام إرادتها. أما التكتلات التي تبدأ بإقصاء تهامة، فإنها تفقد منذ اللحظة الأولى حقها في الادعاء بأنها تمثل الوطن بأكمله.

ومن هنا، فإن أبناء تهامة الأحرار يؤكدون أن صبرهم على سياسات التهميش والإقصاء ليس بلا حدود، وأن استمرار حرمانهم من حقوقهم السياسية المشروعة سيدفعهم إلى البحث عن الخيارات السياسية التي تحفظ هويتهم وكرامتهم ومستقبل أجيالهم القادمة. كما يؤكدون أن حق الشعوب في الحفاظ على هويتها والدفاع عن مصالحها السياسية والثقافية يظل حقًا أصيلًا لا يمكن مصادرته أو تجاهله.

إن استمرار هذا النهج الإقصائي، والتعامل مع تهامة أرضًا وإنسانًا خارج المعادلة الوطنية، يدفع أبناء تهامة الأحرار، الذين ورثوا تاريخًا طويلًا من النضال والدفاع عن الأرض والهوية، إلى إعادة النظر في خياراتهم السياسية ومستقبلهم. وإن أي شعب يُحرم من حقوقه الأساسية في الشراكة والتمثيل والعدالة سيظل متمسكًا بحقه في البحث عن السبل المشروعة التي تكفل له الحفاظ على هويته وكرامته ومستقبله السياسي وفقًا للمواثيق الدولية ومبادئ العدالة وحقوق الشعوب.

فإذا استمرت سياسات الإقصاء والتهميش بحق تهامة وأبنائها، فإن المسؤولية الكاملة عن نتائج ذلك تقع على عاتق القوى التي تصر على حرمان هذا الشعب من حقوقه السياسية والوطنية المشروعة، وترفض الاعتراف بتهامة شريكًا أصيلًا في أي مشروع وطني جامع.

ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تصل اليوم واضحة وصريحة: لا يمكن بناء يمن عادل ومستقر دون تهامة، ولا يمكن الحديث عن شراكة وطنية بينما يُستبعد ملايين التهاميين من التمثيل السياسي الحقيقي. فتهامة ليست تابعًا لأحد، وليست هامشًا في معادلة الوطن، بل هي جزء أصيل من تاريخه وحاضره ومستقبله، وستظل متمسكة بحقوقها السياسية المشروعة حتى تنال العدالة التي تستحقها.

الخاتمة

إن بناء دولة عادلة ومستقرة لا يمكن أن يتحقق بإعادة إنتاج أدوات التهميش القديمة أو احتكار القرار السياسي تحت مسميات جديدة. فالمشاريع الوطنية الحقيقية تُبنى على أسس العدالة والمساواة والشراكة، لا على الإقصاء والاستحواذ وتجاهل حقوق المكونات الوطنية الأصيلة.

لقد أثبتت التجارب أن استبعاد أي مكون وطني لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وإضعاف فرص الاستقرار، وأن تجاهل المطالب المشروعة لا يلغيها بل يزيدها رسوخًا وتمسكًا بها. ومن هذا المنطلق، فإن تهامة ستظل متمسكة بحقوقها السياسية المشروعة، ومؤمنة بأن العدالة والشراكة هما الطريق الوحيد لبناء مستقبل آمن ومستقر لجميع أبناء اليمن.

إن الرسالة التي يجب أن تدركها جميع القوى السياسية اليوم هي أن تهامة ليست قضية يمكن تجاوزها أو القفز عليها، بل هي شريك وطني أصيل لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتسب الشرعية أو الاستدامة دون الاعتراف بحقوقه واحترام إرادته. فبدون تهامة لا تكتمل معادلة الشراكة الوطنية، وبدون العدالة لا يمكن أن يتحقق السلام أو الاستقرار أو بناء الدولة المنشودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى